الشوكاني

308

فتح القدير

قوله ( وأنا منا المسلمون ) هم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ( ومنا القاسطون ) أي الجائرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحق ، ومالوا إلى طريق الباطل ، يقال قسط : إذا جار ، وأقسط : إذا عدل ( فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) أي قصدوا طريق الحق . قال الفراء : أموا الهدى ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) أي وقودا للنار توقد بهم كما توقد بكفرة الإنس ( وألوا استقاموا على الطريقة ) هذا ليس من قول الجن بل هو معطوف على ( أنه استمع نفر من الجن ) والمعنى : وأوحى إلى أن الشأن لو استقام الجن أو الإنس أو كلاهما على الطريقة ، وهي طريقة الإسلام ، وقد قدمنا أن القراء اتفقوا على فتح أن ههنا . قال ابن الأنباري : والفتح هنا على إضمار يمين تأويلها ، والله أن لو استقاموا على الطريقة كما فعل ، يقال في الكلام والله لو قمت لقمت كما في قول الشاعر : أما والله أن لو كنت حرا * ولا بالحر أنت ولا العتيق قال : أبو علي أوحى إلى أنه استمع ، وأن لو استقاموا ، أو على آمنا به : أي آمنا به ، وبأن لو استقاموا . قرأ الجمهور بكسر الواو من لو لالتقاء الساكنين . وقرأ ابن وثاب والأعمش بضمها ( لأسقيناهم ماء غدقا ) أي كثيرا واسعا . قال مقاتل : ماء كثيرا من السماء ، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين . وقال ابن قتيبة : المعنى لو آمنوا جميعا لوسعنا عليهم في الدنيا ، وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير كله والرزق بالمطر ، وهذا كقوله - ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا - الآية ، وقوله - ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب - وقوله - استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا . ويمددكم بأموال وبنين - الآية . وقيل المعنى : وأن لو استقام أبوهم على عبادته وسجد لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم ، واختار هذا الزجاج . والماء الغدق : هو الكثير في لغة العرب ( لنفتنهم فيه ) أي لنختبرهم فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم . وقال الكلبي : والمعنى وأن لو استقاموا على الطريقة التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفارا ، لأوسعنا أرزاقهم مكرا بهم واستدراجا حتى يفتنوا بها فنعذبهم في الدنيا والآخرة . وبه قال الربيع بن أنس وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن والثمالي ويمان بن زيان وابن كيسان وأبو مجلز ، واستدلوا بقوله - فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم